العربي محمد مياد

ما كان لقضية النساء السلاليات أن تبقى مهملة بعد أن تعالت احتجاجات النساء السلاليات منذ سنة 2007 جراء الحيف والميز اللذين يلحقهن نتيجة السلوك والتقاليد البائدة التي يتعاملن به من لدن الجزء غير اليسير من الرجال السلاليين.

وقد انطلقت أولى الاحتجاجات النسائية من منطقة الغرب تمثلت في وقفات احتجاجية ومسيرات، تارة أمام مقر وزارة الداخلية (مديرية الشؤون القروية) وأخرى أمام قبة البرلمان، للمطالبة بإقرار المناصفة في عائدات الأراضي السلالية والانتفاع بها.

وقد شجع هذا الحراك السلمي نساء باقي المناطق للالتحاق بركب المحتجات لعلهن يحصلن على بعض الحقوق المشروعة أسوة بذوي الحقوق من الرجال، لا سيما بعد دخول على الخط الجمعيات الحقوقية الوطنية وكذا بعض الهيئات والمنابر الدولية والمنظمات الحقوقية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة على اعتبار أن المطالب في الجوهر تمس مبدأ المساواة بين الجنسين الذي تقره الديانات السماوية والمواثيق الدولية.
لكن ألا يحق لنا التساؤل: ما هي الجهة التي أثرت في عقلية البعض حتى جعلته يؤمن بعدم أحقية المرأة في الحقوق العقارية، جازمين بأن هذا المنطلق دخيل على المجتمع المغربي.

يقول الدكتور محمد الحاجري في مؤلفه مرحلة التشيع في المغرب العربي: “في ذلك الوقت الذي دخل فيه التشيع إلى المغرب العربي، -أي في عهد الفاطميين- كان هذا المذهب قد تحول تحولا ظاهرا كبير الخطر، فلم يعد كما كان الشأن فيه في مبدأ أمره مجرد دعوة لأبناء علي وفاطمة، أو ثورة على الأمويين إذ غصبوهم حقهم، واستلبوا ما كان ينبغي فيما يرون أن يكون لهم، ثم تعقبوهم وجعلوا ينكلون بهم، فإن اتجاه التشيع إلى المشرق، واتخاذه من بلاد الفرس موطنا له… كل ذلك انحرف به عن نصابه الأول ،وتحول به عن صورته الأولى، إذ أسبغ عليه ألوانا جديدة مشتقة من العقلية الفارسية بمواريثها المختلفة، وخلط ما بينه وبين هذه العقلية وصور إدراكها للإسلام”.

إذن، كان هناك تأثير مباشر للمذهب الشيعي على عقلية بعض المغاربة قبل أن يستقروا على المذهب السني المالكي. وهذا ما يدفعنا إلى الوقوف عند الرأيين وغيرهما من خلال النماذج التالية :

النموذج الأول: موقف جعفر مرتضى العامر منشور بموقع مركز الإشعاع الإسلامي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد

فإننا نجيب بما يلي:

أولاً: إن المقصود بالنساء اللواتي لا يرثن: هن الزوجات، فإنهن لا يرثن من الأرض والعقار شيئاً، وقد أوضحت سائر الروايات التي ذكرها الكليني رحمه الله ذلك، وصرحت به.. فلم يكن من الإنصاف تسجيل هذا الإشكال من الأساس، فراجع الكافي ج 7 ص 127 ـ 130 باب «أن النساء لا يرثن من العقار شيئاً» تجد التصريح بأن المقصود هو إرث الزوجة من زوجها في الحديث رقم 2 و3 و5 و11. وصرح بذلك الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب الذي نقل عنه السائل أيضاً، فراجع ج 9 باب ميراث الأزواج الحديث رقم 106 و107 و109 و113 و114 و116 و117 و119 .

وبعد أن ظهر أن هذه الروايات قد أوضحت المقصود، فلا بد من أن تحمل الروايات المطلقة على المقيدة، كما هي القاعدة في ذلك.

ثانياً : ذكر هذا السائل نفسه رواية ميسر، عن كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، وهي الرواية رقم 113 / 31، ولكنه حذف منها ذيلها الصريح في أن المراد هو خصوص الزوجة، وهي كما يلي: عن ميسر بياع الزطِّي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «سألته عن النساء: ما لهن من الميراث؟!

فقال: لهن قيمة الطوب، والبناء، والخشب، والقصب. فأما الأرض، والعقار فلا ميراث لهن فيه.

قال: قلت: فالثياب؟!

قال: الثياب لهن.

قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن والربع مسمى؟!

قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنما هي دخل عليهم. وإنما صار هذا كذا لئلا تتزوج المرأة فيجيء زوجها، أو ولد من قوم آخرين، فيزاحم قوماً في عقارهم”.

فإن المرأة التي ورثت بالسبب لا بالنسب هي الزوجة من زوجها، أما البنت فترث بالنسب من أبيها.

ثالثاً: لو سلمنا جدلاً: أن البنت لا ترث، لكن موضوع فدك خارج عن موضوع الميراث بالكلية، لأن فدكاً قد فتحت صلحاً، ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فهي خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله يفعل فيها ما يشاء، وقد نحلها (أي وهبها) للزهراء عليها السلام، وتسلمتها منه، واستغلتها أربع سنوات في حياته، ولما استولى عليها أبو بكر أخرج عمَّالها منها.

والنحلة، والهبة والهدية تملّك بنفس الإعطاء والقبض، ولا تبقى ملكاً للمعطي لكي تدخل في ميراثه.

رابعاً: إن الحديث الذي استدل به السائل على أن كل ما للرسول صلى الله عليه وآله للإمام ضعيف السند، فلا تقوم به حجة، ولا تثبت به دعوى.

خامساً: إن المقصود بهذه الأحاديث: هو أن للإمام حق التصرف من حيث هو إمام معصوم وخليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله، وليس المقصود أن الأموال تصبح له، بحيث تبطل ملكية الناس لأموالهم.

ولو كان هذا هو المقصود، لم يصح من علي عليه السلام القبول بالتحاكم إلى قاضيه شريح في الأمور المالية.

سادساً: إن هناك مصالح عامة تفرض عليه صلى الله عليه وآله أن يبقي الأمور على ظواهرها. تماماً كما كانت هذه المصالح عينها تفرض هذا الأمر على رسول الله صلى الله عليه وآله، لا سيما أن الذين استولوا على الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لا يعترفون له بذلك؛ بل هم يتراجعون عن بيعتهم، ويهاجمون بيته، ويحاولون إحراقه على من فيه، ويضربون زوجته ويسقطون جنينها، وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبوها وهو سيد الكائنات لمَّا يدفن بعد.

بل إنه لو فعل ذلك لقالوا له: لا تتدخل بما لا يعنيك، فإنك لست صاحب الحق لكي تطالب به.

سابعاً: إن زهد علي عليه السلام بالدنيا، لا يعطي الحق للآخرين باغتصاب أمواله أو أموال زوجته، وأولاده، وأن يستذلوه إلى هذا الحد. ولا يجعل فعلهم مبرراً، أو معفواً عنه عند الله”.

وهكذا، نلاحظ موقف المذهب الشيعي من حقوق المرأة العقارية، مما يدفعنا إلى التساؤل في المقابل عن موقف المذهب السني ممثلا في مجلسنا العلمي الأعلى.

النموذج الثاني: موقف الملوك السعديين من إرث النساء

بمجرد ما تولى أبو عبد الله محمد الشيخ المهدي، ثاني ملوك السعديين، أصدر ظهيرا جاء فيه: “يعلم الواقف على هذا أننا أسقطنا الميراث للنساء ومهورهن والأحباس من واد سوس، وواد هوزة كذلك الملة، وواد زكمزن من أسفله إلى أعلاه. فمن مات من النساء في تلك البلاد فليس لقرابتها في ذلك شيء، بل يصير ذلك لبيت المسلمين، وكذلك القيمة أسقطناها من الأماكن المذكورة، وكذلك البنيان والأشجار أسقطنا الميراث منها، وكتب بذي الحجة الحرام عام 963 هجرية” (المصدر: نوازل الرسموكي، الورقة 158، مخطوط الخزانة العامة تحت رقم 3566 د. أشار إليه المرحوم الحسن العبادي، فقه النوازل في سوس قضايا وأعلام، منشورات كلية الشريعة بأكادير ط 1999ص 404 وما يليها).

وهكذا، يلاحظ أن هذا الظهير جاء متشبعا بالفكر الشيعي المتشدد الذي ينكر على المرأة حق في الإرث في العقار، الشيء الذي جعل القضاة الأجلاء لا يولوه أي اهتمام وعابوا عليه الخروج عن الشريعة الإسلامية.

وهكذا، أفتى القاضي سيدي عيسى السكتاني بعد أن سئل عما حكم به الأشراف في منع النساء من الإرث في مواضع بأرض سوس؟ حيث أجاب بأنه الذي يراه في أرض سوس وجوب الإرث للذكور والإناث، لأنا إن بنينا على أن الأرض صلح فلا إشكال في الأرض، وكذا إذا بنينا على أنه خفي خبرها، وإن بنينا على أنه عنوة، فلا وجه لتخصيص ذلك بأرض دون أخرى من تلكم البلاد، كما أنه لا وجه أيضا لتخصيص سقوط الإرث بالنساء دون الرجال، لأن الأرض العنوة لا تملك، فلا يرثها الرجال ولا النساء كأرض مصر والشام والعراق. وأما ما كان لبيت المال ـ وعلم أنه ـ فلا إرث فيه أيضا للنساء ولا الرجال، بل هو لمصالح المسلمين والله أعلم” (راجع نوازل الرسموكي، الورقة 160).

وقد عمل أحد أبناء المنصور الذهبي على إلغاء هذا الظهير بعد الحراك الذي عرفته منطقة سوس وكذا الموقف الصارم لبعض العلماء، وخاصة منهم القضاة الأجلاء الذين انحازوا إلى الشريعة الإسلامية؛ من ضمنهم القاضي سيدي عيسى السكتاني، الذي أفتى بأن الأصل الإرث في أرض سوس، و”إسقاطه ما ظهر لي وجهه، وبه كنت أحكم وأفتي أيام قضائي في تلكم البلاد، ثم القدم وطول الزمن لا يسقطه…” (راجع نوازل الرسموكي، الورقة 180).

النموذج الثالث: موقف المجلس العلمي الأعلى من قضية المرأة السلالية

قبل إقدام وزارة الداخلية على اتخاذ موقف من هذا الحراك الاجتماعي المتعلق بحقوق المرأة السلالية في الأرض السلالية، طالبت من المجلس العلمي الأعلى (السني) إبداء الرأي في الموضوع، حيث أصدر بتاريخ 18 ماي 2010 الرأي التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

“ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا”

وبعد، فقد تدارست لجنة من هيأة الإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى موضوع السؤال المشار إليه، قصد إبداء الرأي فيه من الوجهة الشرعية، وذلك على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، ومن خلال منظورها وتكريمها للإنسان، وما قررته له من حقوق مادية ومعنوية، رجلا كان أو امرأة، وخلصت اللجنة إلى الرأي الفقهي المتضمن للفتوى الشرعية الآتية:

أولا: تتوجه المؤسسة العلمية للمجلس العلمي الأعلى بالشكر والتقدير لوزارة الداخلية على التوجه إليها بموضوع السؤال، قصد دراسته، وإفادتها بما يتعلق به من المنظور الشرعي.

ثانيا: تم الاطلاع على رسالة وزارة الداخلية المتضمنة للسؤال عن وضع المرأة داخل الجماعات السلالية وحرمانها في ذلك من الاستفادة مما يستفيد منه الرجل من العائدات المادية والعينية، التي تحصل عليها هذه الجماعات إثر العمليات العقارية التي تجري على الأراضي الجماعية، وعن موقف الشريعة الإسلامية من ذلك.

وكذا على نصوص الظهائر الشريفة المنظمة لذلك، وعلى نصوص المراسيم والدوريات الموضحة له.

وبعد استماع اللجنة مرة أخرى إلى الإفادات والتوضيحات التي قدمها بعض السادة من الأطر العليا المسؤولين عن القطاع بوزارة الداخلية، والتي أبانوا فيها أن الأمر يتعلق فقط بمعرفة مدى حق المرأة في الاستفادة من العائدات المادية والعينية التي يستفيد منها الرجل إثر العمليات العقارية التي تجرى على الأراضي الجماعية السلالية وبيان ذلك من الوجهة الشرعية.

وبعد النظر في كل ذلك وعرضه على نصوص الشريعة الإسلامية وأصولها وقواعدها العامة، ومقاصدها الحكيمة، خلصت إلى الآتي:

إن الشريعة الإسلامية لا تمنع المرأة أن تستفيد مما يستفيد منه الرجل داخل الجماعات السلالية، من العائدات المادية والعينية إثر العمليات العقارية التي تجري على أراضي الجموع، وأنه لا وجه لاستثنائها من ذلك، ولا مبرر لحرمانها منه كليا، للأدلة الآتية:

1/ عموميات نصوص الشريعة الإسلامية، ومنها:

أ/ عموم قوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن} (سورة النساء/32).

ب/ عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”النساء شقائق الرجال” (أي في الأحكام الشرعية العامة، إلا ما خص به الشرع أحد الجنسين).

ج/ عموم قوله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يستشهده من بعض الصحابة على عطية أعطاها لأحد أولاده دون بقيتهم: ”أكُلَّ ولدِك نحلته”، (أي هل أعطيت عطية لجميع أولادك؟) فأنكر عليه تخصيص أحد أولاده بها دون الأولاد الآخرين، ذكورا كانوا أم إناثا، ولم يقبل أن يشهد عليها.

2/ حين برزت في المجتمعات الإسلامية ظاهرة حرمان البنات من التبرعات بعطايا الهبات وغيرها، كان ذلك انحرافا عن منهج الشريعة الإسلامية في تحقيق العدل الذي جاءت به وأقرته من أحكامها، فتصدى العلماء لهذه الظاهرة، وبينوا مخالفتها للشرع الإسلامي الحكيم.

وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين، في مقدمة من أنكر حرمان الإناث من تبرعات وعطايا الآباء، وكانت ترى في إخراج النساء من العطاء واستثنائهن منه، أنه فعل من أفعال الجاهلية.

وأن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مات حين مات، وهو يريد أن يرد صدقات الناس، التي أخرجوا منها النساء، كما جاء ذكر ذلك والتنصيص عليه في المدونة.

3/ تغير العرف الذي بني عليه في الجماعات السلالية قصر الاستفادة على الرجال وتخصيصهم بها دون المرأة، على اعتبار أن الرجل كان مصدر الحماية في القبيلة والرعاية في العشيرة، وغير ذلك من الذرائع العرفية، التي إن صحت وكانت مقبولة فيما مضى من الزمان، فإنها لم تعد اليوم واقعا يمكن قبوله والاستناد إليه، فقد زال هذا العرف وصارت الدولة بقوانينها ومؤسساتها هي الحامية للقبائل والعشائر، والراعية لشؤونها وشؤون غيرها من مكونات المجتمع المغربي وعناصره الحضرية والقروية المتماسكة، ومن المعلوم أن ما بني على عرف في وقت ما، يتغير بتغيره كما هو مقرر عند الفقهاء.

4/ المتتبع لنقل الحقوق المالية في الشريعة الإسلامية يجد أنها شرعته للرجال والنساء، كما هو الحال في الإرث والوقف والهبة والشفعة والعمرى والرقبى، وغير ذلك من وجوه الحقوق المالية وتناقلها من السلف إلى الخلف.

5/ قيام الحاجة إلى إشراك النساء في الاستفادة من العائدات المادية العينية حين حصول شيء من العمليات العقارية في الأراضي الجماعية السلالية، باعتبارهن أعضاء من الجماعة ومكوناتها.

خلاصة الرأي الفقهي في المسألة:

استنادا إلى ما تقدم من الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية العامة، وإلى الظهائر الشريفة المتعلقة بالموضوع، وإلى الإفادات والبيانات التي قدمت في شأنه، فإن الرأي الفقهي الذي خلصت إليه اللجنة وتراه هو أن مسألة حرمان المرأة من الحقوق المادية والعينية في مثل هذه الحال موضوع السؤال هي حالة غير سليمة، كان عليها أهل الجاهلية قبل الإسلام، فجاء الدين الإسلامي الحنيف بتكريم المرأة وإنصافها، فأبطل تلك الأعراف والعوائد التي كانت تحرم المرأة من مثل تلك الحقوق، وحسم في الأمر وأنصفها وأعطاها حقوقها المشروعة.

وتأسيسا على ذلك، فإن من حق المرأة في الجماعات السلالية أن تستفيد كما يستفيد الرجل من العائدات المادية والعينية، التي تحصل عليها الجماعة إثر العمليات العقارية التي تجرى على الأراضي الجماعية، وأن يكون ذلك بمعايير عادلة، تعطي لكل ذي حق حقه، تحقيقا للعدل الذي جاء به شرع الإسلام، وجعله من أسس دينه وتجليات تكريم الإنسان، رجلا كان أو امرأة، والمأمور به في عموم قول الله تعالى: ”يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط”، ”ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون” (سورة المائدة: 8). والله تعالى أعلم وأحكم وهو سبحانه من وراء القصد، وولي التوفيق والهادي إلى الرشاد وأقوم سبيل”.

والخلاصة أن رأي المجلس العلمي الأعلى جاء مطابقا للفقه السني المالكي، ويعكس المرتبة التي يضع فيها الإسلام المرأة باعتباره شقيقية الرجل في الأحكام.

ومما ينبغي التذكير به أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي باعتباره مؤسسة دستورية أعطى رأيه كذلك في هذا الموضوع كما سنوضح أدناه.

النموذج الرابع: موقف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من وضعية المرأة السلالية

سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن تطرق لموضوع النهوض بالمساواة بين النساء والرجال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وخلص في تقريره إلى أنه “بالرغم من أنّ الإصلاحات الدّستورية والمعيارية قد مكّنت من إحراز تقدّم في مجال مساهمة المرأة في التنمية، فإنّ فعاليتها تبقى غير كافية في ظلّ غياب رؤية واضحة للتحقيق الفعليّ للمساواة بين الجنسين على المستويات المؤسساتية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.

وفي المغرب حواليْ 12، 3 مليون امرأة تبلغُن سنّ العمل (15 سنة فما فوق)، أيْ بإضافَةِ 2، 5 مليون قياساً إلى سنة 2000، مُعْظمهنّ يَعشْنَ في المناطق الحَضَرية (60، 3 في المائة)، وأكثر من نصفهنّ يعانينَ من الأميّة (52، 6 في المائة) وأقلّ من الثلث (32، 9 في المائة) يتوفّرْنَ على شهادة.

تتجلّى المُلاحظة الأولى والأكثر إثارة للقلق في هذا التقرير في كوْنِ نسبة المُشاركة الاقتصادية للمرأة التي عرفتْ انخفاضا في السنوات الأخيرة؛ فلقد انتقلتْ نسبة النساء النشيطات من 28، 1 في المائة في سنة 2000 إلى 25، 1 في المائة في سنة 2013. وفي الوقت نفسه، ارتفَعَ عدد ربّات البيوت بصورةٍ أسْرع بين النساء البالغات سنّ العمل.

وحسب بعض الدّراسات، فإنّ الطابع المتفاوت في حقوق الميراث، على اعتبار أنّ النساء يرثْن بالفرْض لا يحصلْن سوى على نصْف نصيب الأخ، يزيد من تفاقم العادات واستمرار القواعد الأبوية، للحفاظ على الميراث داخل نسب الأب.

ومن بين الأمثلة البارزة في هذا الباب، مشكلة النساء “السّلاليات”، اللواتي تمّ إقصاؤهن لمدة طويلة على أساس قرارات تعسّفية مبنية على أعراف وتقاليد بائدة، ويطغى عليها الطابع الذكوري. ومنذ 2007 وهن يُطالبن بالمساواة في حقّ الاستفادة من التعويضات العيْنية والمادية الناجمة عن المعاملات العقارية التي تعْرفها الأراضي الجماعية (التفويتات أو الكراء).

ولقد تمّت الاستجابة لهذه المطالب من خلال دورية وزارية عممتها وزارة الداخلية سنة 2010. وبما أنّ هذه الدورية ليس لها قوّة القانون، فإنّ السلاليات يطالبن بإصدارِ قانون خاص ينسجم مع الدستور، وبإشراكهنّ في اتخاذ القرار.

ومن ناحية أخرى، فإنّ الصعوبات التي تعترض ولوج النساء إلى ملكيّة الأراضي والعقارات، عن طريق عقود تُبرمُ بين أشخاص أحياء، تكمُنُ في هشاشتهنّ المالية. كما أنّ تقسيم الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج، في حالة الطلاق، يصطدم على وجْه الخُصوص بإشكالية الاعتراف بالعمل المنزلي اليوميّ، وتقدير حجمه في اقتناء هذه الممتلكات المُكتسبة خلال مدة الزّواج.

وقد أوصى المجلس بضرورة “تقنين مبدأ المساواة في المجال العقاري، وإلْغاء كلّ أشكال التمييز القائمة، منها على وجْه الخُصُوص التمييز الذي تتضرّر منه النساء “السُّلاليات”.

النموذج الخامس: موقف الجمعيات النسائية من وضعية المرأة السلالية

1/ طالبت كل من الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ومنتدى بدائل المغرب بإقرار قانون جديد منظم للأراضي السلالية، بشكل يؤدي إلى سد الثغرات القانونية التي يعرفها القانون الجاري به العمل، وكذا رفع الحيف عن النساء اللواتي حرمن من حق الانتفاع سوى لكونهن نساء. وأكدت الهيئتان أن القانون وحده هو الكفيل بحل إشكالية التمييز والحرمان الذي يمارس في حق النساء بمختلف مستوياتهن الثقافية والاجتماعية وأعمارهن تحت ذريعة تطبيق العادات السائدة في الجماعات السلالية.

2/ نشرت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان دراسة حول الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمرأة السلالية، وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، تستند على مقابلات مع 3000 سلالية تتراوح أعمارهن بين 17 و99 سنة يوجدن بأربع مناطق (الغرب، سلا والرباط، بني ملال، تارودانت).

وتقدر الرابطة أن 6 ملايين من هؤلاء النساء تستبعدن من تقاسم أرض القبائل في هذه المعاملات، وبعضهن يجدن أنفسهن بلا مأوى ودون تعويض مالي من بيع هذه الأراضي الجماعية.

ووفقا للدراسة، فإن الفئة الأكثر تمثيلا بين النساء السلاليات تتراوح أعمارها ما بين 38 و57 سنة، تليها المجموعة التي تتراوح أعمارها ما بين 28 و37 من العمر. أما النساء السلاليات الحاصلات على شهادات دراسية فلا تتعدى نسبتهن (3٪)، وفي الواقع، الغالبية العظمى لم تتلق أي تعليم (58 ٪). ومعظم النساء السلاليات اللواتي يطالبن بحقوقهن متزوجات (65٪)، وبعضهن أرامل (14.5٪)، و(13٪) عازبات. أما المطلقات، فيشكلن عددا قليلا لا يتعدى (6.9٪).

وإذا كانت 59.5٪ من النساء السلاليات تعشن في بيت الزوجية، فإن نسبة منهن أصبحت أكثر عرضة للعيش بعيدا عن بيت الزوجية، بسبب الطلاق أو الترمل أو عدم وجود المال.
النساء السلاليات في معظمهن ربات بيوت (58.3٪)، في حين أن 25.6٪ ليست لديهن أي مهنة، واللواتي يمارسن عملا يوميا (مياومات)، فيبلغن حوالي 4.2٪، فيما 3.8٪ فقط من موظفات القطاع العام، و1.9٪ يمارسن أعمالا تجارية صغيرة.

في 57٪ من الحالات، الزوج هو الذي يتحمل مصاريف الأسرة، ولكن فقط (15.3٪) من النساء السلاليات يتحملن مصاريف أسرهن، واللواتي يشاركن في مصاريف الأسرة يبلغ عددهن (11.5٪).

كما يقيم التقرير مستوى نشاط هؤلاء النساء، حيث قال الثلث منهن إنهن يحضرن في كل الأوقات وقفات احتجاجية من أجل الدفاع عن حقوقهن، بينما يقول ثلث آخر: «نذهب إلى هناك في بعض الأحيان»، أما الثلث الباقي، فإنه لا يشارك أبدا، ونصف السلاليات صرحن أنه ليس لديهن أي انتماء إلى أي جمعية تدافع عن حقوقهن.

النموذج السادس: موقف سلطة الوصاية الممثلة في مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية

أنشئت مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية في الثمانينيات من القرن الفائت، بعد أن كانت مجرد قسم الأراضي الجماعية طبقا للفصل 10 من مرسوم 26 يناير 1976 بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية، وكان من مهامها اعداد ومراقبة تنفيذ المقررات التي يتخذها وزير الداخلية في نطاق وصايته على الجماعات السلالية؛ غير أنه، بمقتضى المادة 35 من المرسوم بتاريخ 15 دجنبر 1997 في شأن اختصاص وتنظيم وزارة الداخلية، أصبح من اختصاص مديرية الشؤون القروية ممارسة الوصاية باسم وزير الداخلية على الجماعات السلالية وكذا إدارة ممتلكاتها والمحافظة عليها والدفاع عن مصالحها وإعادة هيكلة الأراضي الجماعية، بل وممارسة الولاية على الأراضي الجماعية نيابة عن رئيس الحكومة في خرق صريح ظهير 1919، على اعتبار أن المرسوم لا يعدل ولا يلغي قانون أعلى منه مرتبة في مجال التدرج.

أولا: القرارات المتخذة من لدن سلطات الوصاية

1/ صدور منشور وزاري سنة 1957 يضع تفسيرا ضيقا لمقتضيات ظ 1919 تسير نحو أن حق الانتفاع الدائم من تلك الأراضي يكون لرب العائلة من العشيرة وهم “الرجال المتزوجون منذ ستة (6) أشهر على الأقل أو أرامل الجماعة اللائي لهن ابن ذكر”.

وهذا التفسير الضيق أدى إلى إقصاء المرأة السلالية من الاستفادة من حق المنفعة على الأراضي السلالية. وهنا يظهر أن التوجه الذي سارت فيه الوصاية كان واضحا، بشكل يجعلنا نقر بأن أسباب الأزمة لم تكن فقط التقاليد والأعراف ولكن كذلك الرؤية الرجولية المتحكمة آنذاك في بعض المسؤولين.

2/ إصدار دورية وزارية عدد 60 بتاريخ 25 أكتوبر 2010 بخصوص تمتيع النساء السلاليات من الاستفادة من التعويضات الناجمة عن المعاملات العقارية التي تعرفها الأراضي الجماعية اسوة بذوي الحقوق الرجال؛

3/ إصدار دورية وزارية عدد 17 بتاريخ 30 مارس 2012 تدعو إلى استفادة النساء السلاليات من حق الانتفاع من الأراضي الجماعية موضوع تقسيمات جديدة.

والملاحظ أن كل هذه الدوريات هو أنها لم تحسم النقاش وتخرج بموقف صارم تجاه الظلم الذي يلحق بالمرأة السلالية؛ بل كانت ترمي إلى تطمين النفوس بغد أفضل. وكان من المفروض الحديث عن حق المرأة السلالية في المنفعة من العقار السلالي وعائداته لا فرق بين أن تكون هذه المرأة من سلالة القبيلة بحكم الدم أو النسب والمصاهرة، لأن ذلك تمييز منبوذ شرعا وقانونا، ثم ما كان لوزارة الداخلية قبل إصدار الدورية رقم 60 أن تلتجئ للمجلس العلمي الاعلى وكأن النقاش دينيا، والحال أنه مصلحي وإقصائي وضعي.

وحتى الأعراف والتقاليد التي تتحكم في مجرى توزيع المنفعة لا يمكن العمل بها مصداقا لمضمون الفصل 476 من ظهير الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: “يجب على من يتمسك بالعادة أن يثبت وجودها، ولا يصح التمسك بالعادة إلا إذا كانت عامة أو غالبة ولم تكن فيها مخالفة للنظام العام ولا للأخلاق الحميدة”.

وقد كان جلالة الملك حكيما حينما أكد في رسالته السامية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول السياسة العقارية للدولة المنظمة تحت رعايته السامية وبمبادرة مشكورة من رئاسة الحكومة السابقة بتاريخ 8 و9 دجنبر 2015، عندما قال جلالته إنه يجب “الانكباب على إصلاح نظام الأراضي الجماعية، لكي يتسنى مساهمتها بنصيبها في النهوض بالتنمية وجعلها آلية لإدماج ذوي الحقوق في هذه الدينامية الوطنية وذلك في إطار مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية بعيدا عن كل الاعتبارات المتجاوزة”.

فهل بادرت سلطات الوصاية بما يجعل تنفيذ التعليمات الملكية السامية حقيقة على أرض الواقع، وخاصة بإعداد مشروع قانون يقطع مع الأعراف والتقاليد البائدة ويأتي على شكل مدونة جامعة مانعة لتدبير الأراضي السلالية، أو حتى بتنظيم مناظرة وطنية في الموضوع كما التزم بذلك وزير الداخلية السابق أمام مؤسسة البرلمان أي ممثلي الشعب، تكون توصياتها بمثابة عناصر وفلسفة لمشروع القانون الذي يعد في هذا الشأن، علما أن سلطات الوصاية أقرت من خلال مناقشة مشروع القانون المالي لسنة 2017 بأن عدد النساء السلاليات المستفيدات من توزيع العائدات المالية سنة 2015 بلغ 15.229 مستفيدة أي ما يوازي 46 في المائة من مجموع المستفيدين؛ في حين كانت حصيلة سنة 2016 كالتالي: تم إبرام 564 عقد تفويت وكراء من أجل تعبئة 11.378 هـكتارا، وتم توزيع 623 مليون درهم، وقد استفاد من هذه العائدات 52.675 ذي حق تابعين لـ87 جماعة سلالية تتوزع على 21 إقليما، حوالي 40 في المائة من المستفيدين يكونون العنصر النسوي .

لكن ومع ذلك نقول بأنه بالرغم من ذلك فإنه يتعين على سلطات الوصاية أولا التعامل مع المقترحات القوانين التي تقدمت بها الفرق البرلمانية بخصوص تنظيم وتدبير الأراضي السلالية بكثير من التقبل عوضا عن إهمالها إلى حد الآن، خاصة أن بعضها أتى بأفكار جديدة مسايرة لروح دستور 2011، وأضعف الإيمان رفض المصادقة على كل لائحة لذوي الحقوق وجهت إليها متى كانت لا تقر المناصفة سواء في التمثيل أو المنفعة، والعمل على الحد من التباين في توزيع العائدات المالية عن طريق توحيد الحصص عوضا تركها لهوى جمعيات المندوبين وغيرها، وذلك عن طريق توحيدها وعدم ترك الوضع على ما هو عليه حاليا بحيث قد تحصل إحداهن عن حصة كاملة وأخرى نصف الحصة وثالثا ثلثها أو أقل، حسب الموقع الجغرافي للجماعة السلالية ودرجة الضغط الذي تمارسه الجمعيات الحقوقية وخاصة النسائية، مع فتح المجال للمعنيات بالأمر للطعن الإداري والقضائي كلما مسهن الضر؛ وذلك بتيسير إجراءات الطعن وقبولها على الحالة، حتى يتمكن القضاء من المشاركة في القضاء أو على الأقل التخفيف من التمييز المجحف ضد النساء السلاليات، في ظل العهد الجديد الذي يسعى إلى القطع مع كل التجاوزات المخالفة لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

*رئيس مرصد الأنظمة العقارية والتعمير والبيئة